سيد محمد طنطاوي

210

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ممن أشركوا باللَّه ما لم ينزل به سلطانا وبعد أن ساق - سبحانه - من التوجيهات الحكيمة ، والإرشادات النافعة ما يشفى الصدور ويهدى النفوس ، بعد كل ذلك ، خاطب - سبحانه - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقوله : * ( تِلْكَ آياتُ اللَّه نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ، ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) * . والمراد بالآيات ما سبق ذكره في هذه السورة وغيرها من آيات قرآنية تهدى إلى الرشد وتشهد بوحدانية اللَّه - تعالى - وبصدق رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فيما يبلغه عنه . وكانت الإشارة بتلك الدالة على البعد للإشعار بعلو شأن هذه الآيات وسمو منزلتها وعظم قدرها . ومعنى * ( نَتْلُوها ) * نقرؤها عليك يا محمد شيئا فشيئا قراءة واضحة جلية لتبلغها للناس على مكث وتدبر وروية . وأسند - سبحانه - التلاوة إليه مع أن التالي في الحقيقة جبريل - عليه السّلام - للتنبيه على شرف هذه الآيات المتلوة ، ولأن تلاوة جبريل إنما هي بأمر منه - سبحانه - . وقال - سبحانه - * ( تِلْكَ آياتُ اللَّه نَتْلُوها ) * فأظهر لفظ الجلالة ولم يقل تلك آياتنا نتلوها ، ليكون التصريح باسمه - سبحانه - مربيا في النفوس المهابة والإجلال له ، إذ هو المستحق وحده لوصف الألوهية فلا إله سواه ولا معبود بحق غيره ، وهو ذو الجلال والإكرام ، وهو المنشئ الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه . فالتصريح باسمه - تعالى - يزيد البيان جلالا ويبعث في النفوس الخشية والمراقبة والبعد عما يوجب العقاب والإقبال على ما يوصل إلى الثواب . وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * في موضع الحال المؤكدة من الفاعلي أو المفعول . أي نتلوها عليك متلبسة بالحق أو متلبسين بالصدق أو العدل في كل ما دلت عليه هذه الآيات ونطقت به ، مما لا تختلف فيه العقول السليمة ، والمدارك القويمة . وقوله - تعالى * ( ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) * نفى للظلم بأبلغ وجه فإنه - سبحانه - لم ينف فقط الظلم عن ذاته بل نفى عن ذاته إرادة الظلم إذ هو أمر لا يليق به - سبحانه - ولا يتصور وقوعه منه . وكيف يريد الظلم من منح هذا العالم كله الوجود ، وخلق هذا الكون برحمة وقدرته وعدله ؟ والظلم - كما يقول الراغب - وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان وإما بعدول عن وقته ومكانه ، ومن هذا يقال : ظلمت السقاء إذا تناولته في غير وقته ،